ونحن نودع عاماً هجريًّا مضى ونستقبل عاماً جديداً، لابد من وقفة تساؤل، وتأمل وتدبر، ليحاسب فيها الإنسان نفسه عما اقترفه خلال عام كامل من عمره، عام مضى وانقضى، وعام نستقبله لا ندري ما الله قاض فيه.

والهجرة النبوية  هي دروس متجددة وعبر مستفادة للمسلمين، جيلا بعد جيل، لأن الهجرة فرقت بين الحق والباطل.
و كانت الهجرة درساً فى الطاعة والشجاعة والإيمان والثقة بالله تعالى حيث تمثل ذلك فى طاعة الرسول الكريم لأمر الخالق بالهجرة وشجاعته خلال الرحلة المباركة من مكة للمدينة فلم يتردد ولم يهتم بما قد يحدث له من إيذاء وترك بلده التى ولد وتربى وعاش فيها والتى قال فيها صلى الله عليه وسلم (اللهم أخرجتنى من أحب البقاع إلىَّ فأسكنى فى أحب البقاع إليك).

اختيار الهجرة للتأريخ ..

وكانت المناسبات التي يمكن ان يؤرخ بها المسلمون اربعاً، هي: مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم او مبعثه او هجرته او وفاته، فرجح عندهم مناسبة الهجرة لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة.

واما وقت الوفاة فقد اعرضوا عنه لما توقع بذكره من الحزن عليه، فانحصر الامر في الهجرة، وانما أخروه في ربيع الاول الى محرم لان ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم، اذ ان البيعة وقعت في اثناء ذي الحجة، وهي مقدمة الهجرة. ،فكان اول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم المناسب ان يجعل مبتدأ، وهذا اقوى ما وقفت عليه مناسبة الابتداء بالمحرم.

بداية التقويم الهجري..

اما بداية العمل بالتاريخ الاسلامي او ما يعرف اليوم بالتقويم الهجري، فكان في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما كتب اليه ابو موسى الاشعري «انه يأتينا منك كتب (رسائل) ليس لها تاريخ». فجمع عمر الناس، فقال بعضهم: نبدأ بالمبعث، وبعضهم قال أرخ بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرضوا بها، وذلك سنة سبع عشرة. فلما اتفقوا قال بعضهم ابدأوا برمضان فقال عمر: بل بالمحرم فانه منصرف الناس من حجهم فاتفقوا عليه.

مرحلة فاصلة ..

وكانت الهجرة النبوية بداية مرحلة فاصلة في السيرة النبوية؛ إذ بهذه الهجرة  تمت مرحلة مهمة،  من مراحل السيرة النبويّة، وهى المرحلة المكيّة بكل أحداثها وآلامها ومشاكلها، إنها مرحلة ذات طابع خاص ، بدأ الإسلام فيها غريبًا، واستمر غريبًا إلى قرب نهايتها، إلى أن آمن الأنصار، ورضي الله عن المهاجرين، وعن صحابة رسول الله  أجمعين.

كان الاهتمام الرئيسي لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة أن يبني الجانب العقائديّ عند الصحابة، إلى جانب العقيدة الراسخة، فقد تعلم المؤمنون في هذه المرحلة الأخلاق الحميدة، والخصال الرفيعة، هُذِّبَت نفوسُهم، وسَمتْ أرواحهم، وارتفعوا عن قيم  وأخلاق  وطبائع الأرض، إلى قيم  وأخلاق  وطبائع السماء، لقد نزل الميزان الحق الذي يستطيع الناس به أن يقيِّموا أعمالهم بصورة صحيحة، وعرف المؤمنون في هذه المرحلة أن الطريق الطبيعيّ للجنة طريق شاقّ صعب، مليء بالابتلاءات والاختبارات، ما تنتهي من امتحان إلا وهناك امتحان آخر،والله يراقب العباد في صبرهم  وجهادهم، ولن يُستثنى أحد من الاختبار، ويُبتلى المرء على حسب دينه.

دروس مستفادة وعبر لاتنضب ..

وللهجرة النبوية دروس مستفادة  يجب ان نتفهم  مقاصدها ومآلاتها في كل زمان ومكان. فقد كان المؤمنون يفر احدهم بدينه الى الله تعالى والى رسوله صلى الله عليه وسلم مخافة الفتنة في دينه، ومع هذا لم يضيق الرسول صلى الله عليه وسلم مفهوم الهجرة ومقاصدها، بل وسع فيها وقرن مآلها بنية صاحبها، اذ يقول صلى الله عليه وسلم «انما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته الى ما هاجر اليه».
وعندما هاجر المسلمون إلى المدينة كان الأنصار خير عون لإخوانهم المهاجرين، واستقبلوهم بكل الود والحب مهللين ومكبرين، واستطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يآخى بينهم فقد تقاسم أهل المدينة (أنصار رسول الله) مع إخوانهم المهاجرين المال والبيت.
وكان نتيجة هذا الترابط بين نفوس يغمرها حب الله ورسوله وعقول أضاءت بنور الإيمان وانعكس ذلك بصورة إيجابية على الإسلام والمسلمين، فكانوا خير عون له صلى الله عليه وسلم فى نشر عقيدة الإسلام وإعلاء كلمة الله..

لقد كانت حياة الرسول مثالاً لكل المعانى النبيلة والغايات السامية.. صلى الله عليه وسلم.

ومن دروس الهجرة المتجددة ان الهجرة قد تكون في سبيل الحق او من اجل الرزق، فكلاهما يهدف الى عدم الاستكانة والاستضعاف في الارض بحجج واهية. فالسياحة في الارض بحثا عن الحق، او طلبا للرزق من هذه الدروس المستفادة للهجرة «الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها..».م بالدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي احسن.

ما أحوجنا ونحن نستقبل عامًا جديدًا أن نعيش بقلوبنا وعقولنا ومشاعرنا وواقعنا مع رسول صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.